ابن قيم الجوزية
166
البدائع في علوم القرآن
حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله ، وباللّه التوفيق . وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء ، أنه مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر ، وقد تقدم ما في هذا القول وباللّه التوفيق . في تشبيه من أعرض عن مثل الشرك ومنها قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 ) [ الحج ] ، فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك باللّه ، وتعلق بغيره ، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران : أحدهما : أن تجعله تشبيها مركبا ، ويكون قد شبه من أشرك باللّه ، وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة ، فصور حاله بصورة حال من خرّ من السماء ، فاختطفته الطير في الهوى ، فتمزق مزقا في حواصلها ، أو عصفت به الريح ، حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة . وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به . والثاني : أن يكون من التشبه المفرّق ، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به ، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه ، فمنها هبط إلى الأرض ، وإليها يصعد منه ، وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث التضييق الشديد ، والآلام المتراكمة ، والطير الذي تخطف أعضاءه ، وتمزقه كل ممزق ، بالشياطين التي يرسلها اللّه - سبحانه وتعالى - عليه أزا ، وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه . فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه ، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه ، والريح التي تهوي به في مكان سحيق ، هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان ، وأبعده من السماء . قدرة الذين يدعوهم المشركون من دون الله ومنها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) [ الحج ] ، حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه ، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده ، وإعدام ما يضره ، والآلهة التي